IMG-LOGO

النائحات المحترفات في روسيا القديمة.. مهنة حوّلت الحزن إلى فن

الثقافة والفن - 13:05 12-10-2026
النائحات المحترفات في روسيا القديمة.. مهنة حوّلت الحزن إلى فن

لم يقتصر دور النائحات المحترفات في روسيا القديمة على البكاء في الجنازات، بل شاركن في طقوس الزواج ووداع المجنّدين، وحفظن تقاليد شعبية انتقلت من جيل إلى آخر.

في روسيا القديمة، لم يكن النواح على الموتى مجرد تعبير عفوي عن الحزن، بل فنا شعبيا له قواعده وتقاليده. وكانت النساء اللواتي احترفن هذا الفن يُستدعين للمشاركة في الجنازات والمناسبات التي تمثل انتقالا من مرحلة إلى أخرى في حياة الإنسان، من الزواج إلى الالتحاق بالجيش.


وعُرفت النائحات بقدرتهن على صياغة مراثٍ مؤثرة تتناسب مع ظروف كل مناسبة، فيما انتقلت أسرار هذه المهنة من الأمهات إلى البنات، وأصبحت بعض ممارساتها جزءا من التراث الشفهي الروسي.


النواح على الموتى.. طقس له قواعده


كانت الجنازات المجال الأساسي لعمل النائحات المحترفات. ووفقا للمعتقدات الشعبية السائدة آنذاك، كان النواح يساعد روح المتوفى على الانتقال إلى العالم الآخر، ويحميها من التحول إلى روح شريرة.


وكانت مراسم الوداع تتبع تسلسلا محددا من الطقوس. فعندما ينتشر خبر الوفاة بين سكان المنطقة، كان الأقارب والجيران يُدعون للمشاركة في الوداع الأخير. وفي منزل المتوفى، يُغسل الجثمان ويُلبس ثيابا مخصصة للدفن، ثم يوضع على مقعد في ركن المنزل الأمامي، ورأسه باتجاه الأيقونات.


وكانت النائحات يرافقن هذه المراسم بمراثٍ تستعيد سيرة المتوفى وتستحضر تفاصيل حياته، ثم يواصلن النواح خلال إخراج الجثمان من المنزل ونقله إلى المقبرة ودفنه. وقد استمرت هذه الطقوس، في بعض التقاليد، ثلاثة أيام.


ولم تكن مهارة النائحة تقاس بقدرتها على البكاء بصوت مرتفع فحسب، بل بقدرتها على تحويل الحزن إلى كلمات تروي قصة المتوفى وظروف وفاته ومصير أسرته. ولهذا، بدت مراثيهن أشبه بسيرة موجزة تُلقى أمام الحاضرين، تحفظ ذكرى الراحل وتعبّر عن مشاعر ذويه.


أجر يتناسب مع المهارة وشدة التأثير


حظيت النائحات المتمرسات بسمعة واسعة في مناطقهن، وكان من الممكن استدعاء إحداهن من قرية مجاورة للمشاركة في مراسم مهمة.


وتعلّمت كثيرات منهن أصول المهنة منذ الطفولة، فيما تناقلت العائلات أسرارها عبر الأجيال. وكان المقابل الذي تحصل عليه النائحة يتفاوت بحسب مهارتها، ومدة الطقوس، ومكانة الأسرة التي تستدعيها.


وكلما كانت المراثي أكثر تأثيرا وقدرة على استثارة مشاعر الحاضرين، ارتفعت قيمة الأجر. ولم يكن المقابل ماليا بالضرورة؛ إذ كانت بعض النائحات يشاركن في المناسبة مقابل الطعام أو الهدايا التقليدية.


من الزواج إلى وداع المجنّدين


لم يقتصر النواح الاحترافي على الجنازات، بل ظهر أيضا في مناسبات أخرى اعتُبرت محطات فاصلة في حياة الإنسان.


ففي حفلات الزواج، كانت النائحة تساعد العروس على التعبير عن الحزن الذي تقتضيه التقاليد، إذ كان الانتقال إلى الحياة الزوجية يُصوَّر رمزيا بوصفه نهاية لمرحلة العزوبية وبداية لمرحلة جديدة.


أما توديع الشبان الملتحقين بالجيش، فكان مناسبة أخرى لاستدعاء النائحات، ولا سيما عندما تكون الخدمة طويلة وقد تمتد إلى خمسة وعشرين عاما. وكان الوداع يُصاغ كما لو أن الشاب يترك حياته السابقة وراءه، بما فيها من حرية وألفة عائلية، ليدخل عالما مختلفا.


واستُدعيت النائحات أحيانا في ظروف مأساوية أخرى، مثل اختفاء شخص أو وقوع كارثة طبيعية، حين كانت الجماعة تحتاج إلى وسيلة للتعبير عن الحزن الجماعي.


إيرينا فيدوسوفا.. صوت حفظ الذاكرة الشعبية


تُعد إيرينا أندرييفنا فيدوسوفا (1827–1899) من أشهر النائحات المحترفات في التاريخ الروسي. وُلدت في أسرة من فلاحي الدولة في منطقة زاونجيه، ونشأت في بيئة حافظت على التقاليد الشعبية القديمة.


ومنذ طفولتها، تعرّفت فيدوسوفا إلى المراثي والحكايات والموروث الشفهي، ثم أصبحت واحدة من أبرز حافظات هذا التراث. وقد أدهشت معاصريها بذاكرتها الاستثنائية؛ إذ كانت تحفظ عشرات الآلاف من الأبيات والقصائد والحكايات الملحمية والمراثي، لكنها لم تكن تكتفي بترديد النصوص المحفوظة، بل ترتجل في كل مناسبة كلمات جديدة تناسب قصة الشخص ومصيره.


واكتسبت شهرة واسعة من خلال تعاونها مع الباحث في الفولكلور يفغيني بارسوف، الذي نشر مراثيها ضمن عمل من ثلاثة مجلدات بعنوان «مراثي الأرض الشمالية».


ولم يقتصر الاهتمام بفنها على الباحثين في التراث الشعبي؛ فقد حظيت بتقدير الموسيقيين ميلي بالاكيريف ونيكولاي ريمسكي كورساكوف، والمغني فيودور شاليابين، والكاتب مكسيم غوركي. كما أُقيم لها نصب تذكاري في مدينة بتروزافودسك.


وتكشف سيرة فيدوسوفا أن النواح الاحترافي لم يكن مجرد أداء طقسي عابر، بل شكلا من أشكال التعبير الشفهي الذي جمع بين الذاكرة والارتجال ورواية السير، وأسهم في حفظ جانب من الثقافة الشعبية الروسية.


المصدر: Gateway to Russia

شارك المنشور:

الأكثر قراءة

أهم الأخبار