سيطَر الديمقراطيون على مجلسي النواب والشيوخ في انتخابات التجديد النصفي، ليدخل الرئيس دونالد ترامب العامين الأخيرين من ولايته في وضع سياسي غير مسبوق.
وأفضت هذه الانتخابات إلى فقدان ترامب للحصن التشريعي الذي مكنه من تمرير أجندته دون عوائق تقريبا، لكن هذا لا يعني أن ترامب أصبح بلا سلطة، بل إن طبيعة حكمه ستتحول من التشريع إلى المواجهة، ومن بناء الإرث إلى الدفاع عنه.
صلاحيات الرئاسة تبقى لكنها تصطدم بجدار الفيتو
والنقطة الجوهرية التي يجب فهمها هي أن السيطرة على الكونغرس لا تعني السيطرة على الحكومة، فالدستور الأمريكي يمنح الرئيس حق النقض ضد أي تشريع يمرره الكونغرس، ولا يمكن تجاوز هذا الفيتو إلا بأغلبية الثلثين في كل من مجلسي النواب والشيوخ، وهو ما لا يمتلكه الديمقراطيون حتى مع فوزهم الساحق، وقد أدرك ترامب هذه المعادلة سريعا فنشر صورة لقبعة حمراء تحمل كلمة فيتو في إشارة واضحة إلى أنه ينوي استخدام هذه الأداة بكثافة.
وهذا يعني أن أي قانون يمرره الديمقراطيون، سواء لخفض تكاليف الرعاية الصحية أو تقييد الرسوم الجمركية أو وقف الحرب مع إيران، سيواجه على الأرجح بالفيتو الرئاسي، وبالتالي فإن الإنجاز التشريعي الأبرز الذي قد يحققه الديمقراطيون هو منع ترامب من تمرير المزيد من التشريعات، وليس بالضرورة دفع أجندتهم الخاصة إلى النهاية.
أدوات الرقابة قد تكون السلاح الأكثر إيلاما
وإذا كانت الأداة التشريعية محدودة فإن أداة الرقابة مفتوحة على مصراعيها، إذ سيطر الديمقراطيون على رئاسة اللجان في مجلس النواب مما يمنحهم سلطة استدعاء المسؤولين وطلب الوثائق وعقد جلسات الاستماع تحت القسم، وتشير التقارير إلى أن أهداف التحقيقات المحتملة تشمل الحرب مع إيران وسير العمليات العسكرية وسياسات إنفاذ قوانين الهجرة والإنفاق الحكومي والمزاعم المتعلقة بتحقيق الربح من الرئاسة وملفات جيفري إبستين.
وهنا يبرز اسم وزير الحرب بيت هيغسيث كأحد أبرز المرشحين للمساءلة، ليس فقط بسبب إدارته للحرب بل أيضا بسبب قراراته المثيرة للجدل داخل البنتاغون، وبالنسبة لترامب فإن التحقيقات لا تعني بالضرورة إدانة جنائية، لكنها ستضع إدارته تحت مجهر دائم وتستنزف طاقتها السياسية وتترك سجلا موثقا قد يؤثر على صورته التاريخية.
العزل احتمال قائم لكنه محفوف بالمخاطر
ومع سيطرة الديمقراطيين على مجلس النواب يصبح من الممكن نظريا بدء إجراءات عزل ترامب للمرة الثالثة، فمجلس النواب يحتاج فقط إلى أغلبية بسيطة لبدء التحقيق، لكن مجلس الشيوخ يحتاج إلى أغلبية الثلثين للإدانة وهو رقم بعيد المنال، علاوة على ذلك يدرك كثير من الديمقراطيين أن عزل ترامب في 2019 و2021 لم يضر به سياسيا فحسب بل عزز صورته كضحية للمؤسسة مما ساعده في العودة إلى البيت الأبيض، لذلك فإن العزل قد يكون ورقة ضغط أكثر منه هدفا نهائيا وقد لا يكون الخيار الأفضل في ظل وجود أولويات أخرى مثل الاقتصاد والحرب.
الشلل التشريعي وحكم بأوامر تنفيذية
ومع انسداد الطريق التشريعي من المرجح أن يعتمد ترامب بشكل أكبر على الأوامر التنفيذية لتحقيق أهدافه، وقد كشفت تقارير أن البيت الأبيض كان يستعد لسيناريو سيطرة الديمقراطيين منذ أشهر عبر إعداد قائمة بأوامر تنفيذية محتملة في مجالات الهجرة والرسوم الجمركية والإسكان والإنفاق الفيدرالي، كما أن إدارة ترامب قد تلجأ إلى إعلانات الطوارئ الوطنية لتوسيع صلاحياتها وهو ما فعله ترامب مرارا في ولايته الثانية.
لكن هذه الأوامر ستكون عرضة للطعن القضائي، وفي ظل سيطرة الديمقراطيين على مجلس الشيوخ سيكون بوسعهم أيضا عرقلة تعيينات ترامب للقضاة الفيدراليين مما قد يحد من قدرته على تشكيل جهاز قضائي أكثر ميلا إليه.
الملف الخارجي وملاذ ترامب الأخير
وفي السياسة الخارجية يمتلك الرئيس هامشا أوسع للحركة مقارنة بالشؤون الداخلية، ورغم أن الديمقراطيين قد يحاولون تقييد تمويل أي حرب جديدة مع إيران أو تمرير قرارات سلطات الحرب فإن هذه القرارات ستواجه بالفيتو الرئاسي، لكن الأمر الأكثر تعقيدا هو أن أي تصعيد عسكري واسع سيحتاج إلى تمويل والكونغرس هو من يقرر الميزانية، وهنا قد يستخدم الديمقراطيون ورقة الإغلاق الحكومي أو ربط التمويل بشروط تحد من قدرة ترامب على التصعيد.
رئاسة السيد "فيتو"
وما يعنيه فقدان ترامب لكلا المجلسين هو أن ولايته ستنتهي في حالة من الجمود التشريعي شبه التام، فلن يستطيع تمرير قوانين جديدة وسيواجه تحقيقا دائما وسيكون عليه الدفاع عن كل قرار يتخذه ضد هجمات الديمقراطيين، لكنه في الوقت نفسه لن يكون رئيسا بلا سلطة إذ سيستخدم الفيتو لعرقلة أجندتهم والأوامر التنفيذية لمواصلة سياساته والسلطة الرئاسية في الخارج للتحرك بحرية نسبية، والأرجح أن يتحول العامان المقبلان إلى صراع مفتوح بين البيت الأبيض والكونغرس لا إلى تعاون مثمر وأن يترك هذا الصراع بصمة واضحة على الانتخابات الرئاسية المقبلة.
المصدر: روسيا اليوم (RT) + وكالات