افتُتحت في موسكو في الخامس من نوفمبر عام 1929 أول قبة فلكية في الاتحاد السوفيتي، وقد تميّز معمارها بتصميم فريد، كما تميّز بدور علمي وثقافي تضاعف مع الزمن.

بدأت القبة نشاطها بسلسلة متواضعة من المحاضرات، إلا أن نطاق موضوعاتها توسّع على مرّ السنين؛ إذ شمل بنية الكون، ونشأة النظام الشمسي وتطوره، وتكوين الشمس، والقمر وحركاته، والمذنبات والنيازك، والكسوف والخسوف. اللافت أن القبة الفضية المستطيلة تمنح المبنى مظهر مركبة فضائية مستقبلية تنطلق نحو السماء. وقد خصّص الشاعر فلاديمير ماياكوفسكي قصيدة بمناسبة افتتاح القبة الفلكية. تصميم فريد ونجوم متلألئة عند افتتاحها في 5 نوفمبر 1929، كانت هذه المنشأة أعجوبة تقنية. ورغم أن النجوم التي كانت تعرضها كانت ثابتة وذات سطوع متساو، إلا أن مهندسي موسكو كانوا أول من طوّر جهاز العرض ليجعل النجوم تبدو وكأنها تومض، وهي ميزة لم تتوفر في أي قبة فلكية أخرى حتى أواخر خمسينيات القرن العشرين. عند افتتاحها، لم يكن في العالم سوى 12 قبة فلكية: عشر في ألمانيا، وواحدة في إيطاليا، وواحدة في النمسا؛ ما جعل قبة موسكو الفلكية الثالثة عشرة على مستوى العالم، والوحيدة من نوعها في الاتحاد السوفيتي. صُممت المنشأة على يد المهندسين المعماريين ميخائيل بارش وميخائيل سينيافسكي. كان المخطط الأصلي يعتمد قبة نصف كروية، لكنها استُبدلت بشكل يشبه البيضة؛ وذلك لتجنب أي تشابه مع العمارة الدينية. كان من بين الزوار الأوائل الشاعر فلاديمير ماياكوفسكي والكاتب قسطنطين باوستوفسكي. وقد أعجب ماياكوفسكي بالمكان حتى كتب قصيدة جاء فيها: "أيتها المرأة البروليتارية، أيها الرجل البروليتاري.. هلمّوا إلى القبة الفلكية". أما باوستوفسكي، فقد لاحظ أن النجوم على القبة لا تتلألأ؛ ما دفع المدير الأول للمكان، قسطنطين شيستوفسكي، إلى ابتكار مفهوم "السماء الحية". صمّم المختصون كرة شبكية مثقوبة بفتحات دقيقة تدور حول مصباح، فخلقت وهما بصريا بتلألؤ النجوم. مسرح للنجوم في زمن الحرب بحلول عام 1934، لم تعد القبة تعرض نجوما متلألئة فحسب، بل أصبحت تضم أيضا سحبا عابرة، وشفقا قطبيا متوهجا، وزخات من الشهب، وكسوفا للشمس، وحتى نموذجا لصاروخ تسيولكوفسكي، المعروف بأنه "أبو الصواريخ"، وهو يحلّق. لم يكن هناك مثيل لهذا العرض في أي قبة فلكية أخرى في العالم حتى أواخر خمسينيات القرن العشرين. في السنوات التي سبقت الحرب، تحوّلت قبة موسكو الفلكية إلى "مسرح للنجوم"؛ ففي عروض مثل "غاليليو"، و"جوردانو برونو"، و"كوبرنيكوس"، استُغلت الإمكانات التقنية للقاعة المقببة بفعالية لتعزيز الوضوح البصري. في وقت لاحق، احتضن المكان عروضا متنوعة، منها "المسرح المصغر" و"المسرح الخيالي". لم تتوقف القبة الفلكية عن نشاطها خلال الغزو النازي للاتحاد السوفيتي؛ إذ قدّم الخبراء العاملون فيها محاضرات في المستشفيات والوحدات العسكرية. علاوة على ذلك، كانت القبة الفضية بمنزلة علامة استرشادية للطيارين. حديقة السماء وسباق الفضاء أما ساحة "حديقة السماء" بموقع قبة موسكو الفلكية، فقد افتُتحت عام 1947 احتفالا بالذكرى المئوية الثامنة لتأسيس موسكو، وتُعد أول موقع فلكي في الهواء الطلق على مستوى العالم. هي تضم أدوات وأجهزة فلكية، وتجمع بين كونها مرصدا فلكيا ومتحفا في الهواء الطلق. تضم الحديقة ساعات شمسية، ومجسمات للكرة الأرضية، وكرة فلكية ذات حلقات، وخط طول موسكو، إلى جانب معروضات أخرى متنوعة. لعل أكثر ما يثير الاهتمام دور هذا المكان في "سباق الفضاء"؛ ففي الفترة ما بين عامي 1960 و1975، استُخدمت القبة الفلكية لتدريب رواد الفضاء على الملاحة السماوية سرا. كانت هذه الدورات سرية للغاية لدرجة أن المحاضرين لم يكونوا على علم بهوية طلابهم، بمن فيهم يوري غاغارين، إلا بعد رحلته التاريخية. في هذا الشأن، قال أليكسي ليونوف، أول إنسان يقوم بالسير في الفضاء: "الطريق إلى بايكونور بدأ من قبة موسكو الفلكية". ميلاد جديد في عام 1994، أُغلقت القبة الفلكية لإجراء عمليات تجديد واسعة النطاق، فيما بدأ في عام 2002، مشروع شامل للترميم وإعادة التجهيز، ليُكتب للمنشأة "ميلاد جديد" في 12 يونيو 2011؛ حيث رُفع المبنى ستة أمتار، وتضاعفت مساحته الإجمالية أربع مرات. تُعدّ قبة موسكو الفلكية (موسكو بلانيتاريوم) اليوم واحدا من أكثر المراكز الفلكية العلمية تطورا من الناحية التقنية على مستوى العالم، وهي تضم في "قاعة النجوم الكبرى"، جهاز عرض يعتمد على الألياف الضوئية، يُعرف باسم "يونيفيرساريوم إم 9"، وهو قادر على عرض أكثر من تسعة آلاف نجم. تجربة علمية بأوجه متعددة إلى جانب العروض التي تُقدّم تحت القبة، يضم المرفق مساحات أخرى متنوعة؛ منها "لوناريوم" التفاعلي، حيث يمكن للزوار إجراء تجارب فيزيائية، مثل محاكاة إعصار أو تشغيل ذراع ميكانيكية، بالإضافة إلى سينما رباعية الأبعاد، ومرصد فلكي، إضافة إلى "حديقة السماء". منذ عام 2019، أُدرجت قبة موسكو الفلكية ضمن قائمة المواقع الفريدة المتاحة لإقامة مراسم الزفاف؛ إذ يمكن للعروسين، على سبيل المثال، الاستمتاع بمشاهدة "الشفق القطبي" أو "زخات الشهب" خلال يومهما المميز. تضم قبة موسكو الفلكية مزيجا تقنيا مبهرا؛ يتجاوز مجرد عرض النجوم ليغمر الجمهور في أعماق الفضاء الخارجي. بفضل منظومة من الحلول التقنية، تظل قبة موسكو الفلكية في طليعة المؤسسات المتطورة، حيث تجتمع تقنيات متنوعة لتجعل العلوم في متناول الجميع، وفي الوقت ذاته، تتيح لزوارها تجربة بصرية مذهلة. المصدر: RT