ترتبط ليلة فيليس في المعتقدات الوثنية الحديثة بعودة أرواح الموتى، خلافا لطقس "أجداد الخريف" ذي الجذور السلافية القديمة.
وتتزامن الفترة الفاصلة بين الخريف والشتاء في فلكلور شعوب عديدة مع تصورات عن الحدود بين عالم الأحياء ومملكة الموتى. وفي الثقافة السلافية، ترتبط بهذه الفترة طقوس ومناسبات تختلف في أصولها التاريخية، رغم تشابه بعض رموزها مع احتفالات الهالوين. من هو الإله فيليس؟ يوضح الأستاذ المشارك في قسم العلوم الأساسية والإنسانية بفرع جامعة بيرم الوطنية للبحوث التقنية في كوغاليم، أنطون زيباف، أن فيليس، المعروف أيضا باسم فولوس، كان إلها للماشية والتجارة والثروة في معتقدات السلاف القدماء. وتصوّر بعض الروايات هذا الإله بقرون أو بملامح تشبه الثعابين، فيما يمثل الصراع بينه وبين بيرون، إله الرعد وراعي المحاربين، أحد المحاور الرئيسية في إعادة بناء أساطير السلاف. ووفقا لهذه الروايات، يسرق فيليس الماشية من بيرون، فيطارده إله الرعد ويصيبه بصاعقته، ليستعيد ما سُرق منه. ويرد ذكر فيليس في مصادر تاريخية، منها "حكاية السنوات الغابرة" و"نشيد حملة إيغور". وتشير الأولى إلى أن الروس أقسموا، في معاهدتي عامي 907 و911، بأسلحتهم وببيرون وفولوس، الذي وصف بأنه إله الماشية. لكن زيباف يشدد على أن الاحتفال المعروف باسم "ليلة فيليس" ليس تقليدا موثقا من العصور السلافية القديمة، بل فكرة حديثة ظهرت في أوساط أتباع الحركة الوثنية الجديدة المعروفة باسم "رودنوفيه"، التي تسعى إلى إحياء المعتقدات والطقوس السلافية. كيف ظهرت ليلة فيليس؟ يرتبط تشكل فكرة الاحتفال بما يسمى "كتاب فيليس"، وهو نص ظهر في أوساط المهاجرين الروس في منتصف القرن العشرين، ونُسب إلى يوري ميروليوبوف وألكسندر كورينكوف، قبل أن يصنفه لغويون سوفييت ضمن النصوص المزورة. وأعيد نشر الكتاب عام 1992 مصحوبا بتعليقات مفصلة أسهمت في تشكيل تصورات بعض أتباع الوثنية الحديثة عن الاحتفال. وبدأ إحياء هذه المناسبة في مجموعات صغيرة بموسكو وسان بطرسبورغ، قبل أن تنتشر الفكرة على نطاق أوسع. ويشير زيباف إلى أن المعلومات المتاحة للباحثين عن معتقدات السلاف الشرقيين قبل اعتناق المسيحية في روسيا عام 988 محدودة ومجزأة، ما يدفع أتباع الوثنية الحديثة إلى بناء تصوراتهم على إعادة تركيب شذرات من المصادر التاريخية والفلكلور ومعتقداتهم الخاصة، مع استعارة عناصر من ثقافات أخرى، بينها الهندوسية والتقاليد الباطنية. وفي تصورات هؤلاء، يرتبط فيليس بعالم الموتى ويؤدي دور المرشد للأرواح. ويعتقدون أن الإله يفتح خلال هذه الليلة الحدود بين ثلاثة عوالم: "ياف"، عالم الأحياء، و"ناف"، عالم الموتى، و"براف"، عالم القوانين. كما يؤمنون بأن الأرواح تجوب الأرض في هذه الليلة وتتدخل في شؤون البشر. "أجداد الخريف".. تقليد أقدم لإحياء ذكرى الموتى في المقابل، يطرح الباحثون احتفال "أجداد الخريف" مثالا على تقاليد ذات جذور ما قبل مسيحية في الثقافة الروسية والبيلاروسية، ترتبط بتذكر الأسلاف الذين توفوا منذ زمن بعيد، ويُطلق عليهم اسم "الأجداد" أو "دزيادي" باللغة البيلاروسية. ويعود ذكر هذا التقليد في الأدب الروسي القديم إلى نص بعنوان "كلمة محب المسيح والغيور على الإيمان الحق"، الذي يرجع تاريخه تقريبا إلى القرن الثاني عشر. كما وثق علماء الإثنوغرافيا في الإمبراطورية الروسية ممارسة هذا الطقس لدى الفلاحين في منطقة بوليسي ومحافظة سمولينسك. ويشرح ميخائيل يرماكوف، رئيس قسم العلوم الأساسية والإنسانية في فرع جامعة بيرم الوطنية للبحوث التقنية في كوغاليم، أن الاحتفال لم يكن مرتبطا تاريخيا بتاريخ ثابت، بل كان يُقام بين أواخر أكتوبر ومطلع نوفمبر. وتقوم فكرته، بحسب المعتقدات الشعبية، على عودة أرواح الموتى إلى عالم الأحياء لمشاركة ذويهم الطعام وتذكيرهم بترابط الأجيال. كما ارتبط الانتقال بين الفصول في المعتقدات الوثنية بفترة فاصلة يُلجأ خلالها إلى قوى الطبيعة وعبادة الأسلاف طلبا للعون والأمل في بدايات جديدة. ولا تزال مظاهر هذا التقليد أكثر حضورا في المناطق الروسية المحاذية لبيلاروس، ولا سيما سمولينسك وبريانسك وبسكوف، إلى جانب بعض المناطق الريفية التي احتفظت بجوانب من الفلكلور المحلي. طقوس الذاكرة في العصر الرقمي ويرى يرماكوف أن الرقمنة أدخلت ممارسات جديدة إلى طرق إحياء هذه المناسبات والتعبير عن الارتباط بالأسلاف. ومن بين هذه الممارسات ما يمكن وصفه بـ"تقويم الذاكرة الرقمي"، الذي يشمل منشورات التذكير بالمناسبات، والقصص المنشورة على منصات التواصل الاجتماعي، والشموع الافتراضية التي يضيئها المستخدمون تكريما للموتى. كما انتشرت مقاطع الفيديو المنتجة بالذكاء الاصطناعي، والصور القديمة التي تُمنح مظهرا متحركا، ومعارض صور الأسلاف، وشجرات العائلات المنشورة عبر الإنترنت. ويشير الباحث إلى أن هذه الممارسات تتيح لبعض الأشخاص التعبير عن الحداد واستحضار ذكرى أقاربهم من دون المشاركة المباشرة في الطقوس التقليدية. المصدر: RT