IMG-LOGO

حين نطقت الشاشة.. التحول الذي غيّر تاريخ السينما

الثقافة والفن - 09:33 26-10-2026
حين نطقت الشاشة.. التحول الذي غيّر تاريخ السينما

انتقلت السينما خلال عقود قليلة من مقاطع صامتة لا تتجاوز ثواني إلى أفلام ناطقة غيّرت أساليب التمثيل والإخراج، وأعادت رسم مستقبل نجوم الشاشة.

في البدء كان السينماتوغراف في فبراير 1895، سجّل الأخوان أوغست ولوي لوميير في فرنسا براءة اختراع جهاز "السينماتوغراف". وفي 28 ديسمبر من العام نفسه، نظّما أول عرض سينمائي عام مدفوع في قبو مقهى "غران كافيه" في باريس، حيث شاهد الجمهور عشرة أفلام لم يتجاوز أي منها 40 ثانية. لم يؤمن صاحب المقهى بالمشروع، ففضّل تأجير القبو على اقتسام الإيرادات، لكن الساحر جورج ميلييس كان بين الحاضرين، وسرعان ما أصبح أحد رواد السينما وخدعها البصرية. ووصل السينماتوغراف إلى روسيا في مايو 1896، حين عُرضت أفلام الأخوين في مسرح "أكواريوم" بسان بطرسبرغ، ثم في المعرض الروسي العام بمدينة نيجني نوفغورود. وهناك شاهدها الكاتب مكسيم غوركي، الذي ترك أحد أشهر الانطباعات الأدبية المبكرة عن السينما. من خشبة المسرح إلى حركة الكاميرا في بداياتها، بدت السينما امتدادا للمسرح؛ إذ كانت الكاميرا ثابتة وبعيدة عن الممثلين، الذين يظهرون بكامل قامتهم. ولم يبدأ تقريب الكاميرا بوضوح إلا عام 1909، حين لجأ استوديو "فيتاغراف" الأمريكي إلى تقليل المسافة بينها وبين الممثلين، وهي خطوة أثارت اعتراض بعض المشاهدين الذين رأوا في الأشكال الكبيرة على الشاشة مبالغة غير مبررة. وكانت سرعة التصوير تتفاوت أيضا، لأن المصور كان يدير مقبض الكاميرا يدويا. ومع اعتماد معيار 24 كادرا في الثانية في السينما الناطقة، باتت الأفلام الصامتة القديمة تبدو أسرع عند عرضها على الأجهزة الحديثة. وساهم مخرجون أوروبيون في تحرير الصورة من جمودها، وكان الروسي يفغيني باور من الذين اهتموا بخلق العمق البصري، مستخدما الإضاءة والستائر والأعمدة، ومحركا الكاميرا داخل المشهد. أما في إيطاليا، فقد شهد فيلم "كابيريا" عام 1914 تطورا مهما مع استخدام عربة تحمل الكاميرا، وهي التقنية التي أصبحت لاحقا من أدوات التصوير المعروفة. الوجوه والخدع البصرية حتى النصف الثاني من عشرينيات القرن العشرين، لم تكن المواد الحساسة للضوء تميّز الألوان جيدا، فظهر الأحمر داكنا في كثير من اللقطات، ما منح وجوه الممثلين وشفاههم مظهرا مألوفا في الصور القديمة. وساهم ماكس فاكتور، الذي تعود أصوله إلى الإمبراطورية الروسية، في تطوير مستحضرات مكياج تلائم متطلبات التصوير السينمائي. ومع اقتراب الكاميرا من الوجوه، تراجع الاعتماد على الإيماءات المسرحية الواسعة، وازدادت أهمية تعابير الوجه الدقيقة. وفي روسيا، أجرى المخرج ليف كوليشوف تجربة شهيرة، جمع فيها لقطة لوجه الممثل إيفان موزجوخين مع صور مختلفة، فبدا الوجه نفسه وكأنه يعبّر عن مشاعر متباينة تبعا للسياق. وأصبحت التجربة المعروفة باسم "تأثير كوليشوف" مثالا أساسيا على قدرة المونتاج على تغيير المعنى. وتعلّم السينمائيون خداع العين مبكرا. ففي فيلم "إعدام ماري ستيوارت" الذي صُوّر عام 1895 في استوديو إديسون، أُوقفت الكاميرا لاستبدال الممثلة بدمية أثناء مشهد الإعدام. وطوّر جورج ميلييس هذه الحيل في أفلامه، ومنها "رحلة إلى القمر" عام 1902، مستخدما المجسمات والألعاب النارية وإيقاف التصوير وتراكب الصور. ومع عشرينيات القرن الماضي، ازدادت هذه التقنيات تعقيدا في أعمال ماري بيكفورد وهارولد لويد ودوغلاس فيربانكس. موسيقى وأصوات خلف الشاشة لم تكن السينما الصامتة صامتة تماما. فقد رافقت عروضها الموسيقى الحية، من عازف كمان وبيانو في دور العرض الصغيرة إلى أوركسترات تضم عشرات العازفين في الصالات الكبرى، فضلا عن المؤثرات الصوتية التي كان يصنعها عازفو الطبول وغيرهم من المختصين. وجرت محاولات لإلقاء حوارات الممثلين من خلف الشاشة، لكنها أربكت المشاهدين ولم تستمر طويلا. أما في اليابان، فقد نشأ تقليد مختلف تمثل في "البنشي"، وهم رواة كانوا يشرحون الأحداث ويؤدون أصوات الشخصيات أثناء عرض الأفلام. وبلغ عدد العاملين في هذا المجال نحو 8 آلاف في سنوات ازدهاره، واستمر عصر السينما الصامتة في اليابان حتى أواخر الثلاثينيات. لماذا تأخر ظهور السينما الناطقة؟ لم يكن الانتقال إلى الصوت مدفوعا أساسا برغبة الاستوديوهات في سماع حوارات الممثلين. فقد طوّرت شركة "وارنر براذرز" نظام "فيتافون" في المقام الأول لتقليل تكاليف الموسيقى الحية في دور العرض. ووفقا لذكريات جاك وارنر، حين شاهد الإخوة عرضا للتقنية الجديدة عام 1925، أشار سام إلى إمكانية استخدامها لجعل الممثلين يتحدثون، فرد هاري: "من الذي يريد، بحق الجحيم، أن يسمع الممثلين يتحدثون؟". وكان هذا التشكيك مفهوما في ظل إخفاق محاولات سابقة لإنتاج أفلام ناطقة. لكن فيلم "مغني الجاز"، بطولة آل جولسون، الذي عُرض في 6 أكتوبر 1927، غيّر مسار الصناعة. فعلى الرغم من احتفاظه بمشاهد صامتة وعناوين مكتوبة، تضمن أغاني ومقاطع حوار منطوقة. ورأت مجلة "فارايتي" أنه أفضل ما قدمه نظام "فيتافون"، لكنها أشارت إلى أن القصة وحدها، من دون الصوت، بسيطة في جوهرها. وفي يوليو 1928، صدر "أضواء نيويورك"، الذي يُعد أول فيلم روائي طويل ناطق بالكامل. غير أن دور العرض المجهزة بالتقنيات الصوتية كانت محدودة آنذاك، ما دفع شركات إلى إصدار أفلام بنسختين خلال عامي 1928 و1929، واحدة صامتة وأخرى ناطقة. شابلن يقاوم التحول لم يتقبل جميع السينمائيين التغيير. ففي عام 1929، رأى تشارلي شابلن أن الأفلام الناطقة تقضي على "الجمال العظيم للصمت"، واختار إنجاز فيلمه "أضواء المدينة" عام 1931 من دون حوار، مع الاستعانة بالموسيقى والمؤثرات الصوتية. وكان للصوت أثر في انتشار الأفلام عالميا أيضا. فقد استطاعت أفلام شابلن الصامتة الوصول إلى جمهور يتحدث لغات مختلفة، بينما واجهت الأفلام الناطقة حاجز اللغة، ما جعل فهمها مرتبطا بقدرة الجمهور على فهم الحوار. نجوم الشاشة أمام اختبار الصوت لم يكن الانتقال إلى الأفلام الناطقة سهلا على نجوم اعتادوا التعبير بالحركة والإيماءة. فقد أصبح عليهم حفظ الحوارات والتعامل مع الميكروفونات، فيما صار صوت الممثل ولهجته عاملين مؤثرين في فرصه المهنية. وفي ديسمبر 1929، نشرت مجلة "فوتوبلاي" صورة للممثلة نورما تالمادج أمام ميكروفون، تحت عنوان "الميكروفون رعب الاستوديوهات". ورغم تدربها على الإلقاء، اعتزلت التمثيل بعد فيلمين ناطقين لم يحققا النجاح المأمول. أما جون جيلبرت، فارتبط اسمه بقصة شائعة تقول إن صوته لم يكن مناسبا للشاشة الناطقة. لكن كتّاب سيرته وابنته ربطوا تراجع مسيرته بصراعه مع لويس ماير، رئيس استوديو "إم جي إم"، معتبرين أن الانتقال إلى الصوت لم يكن سوى عامل استُخدم للتخلص منه. وبالنسبة إلى الممثل الروسي إيفان موزجوخين، الذي أصبح نجما في فرنسا بعد هجرته، فقد تراجعت مسيرته قبل ظهور السينما الناطقة، ثم حدّت لكنته الروسية من حصوله على أدوار جديدة. وتوفي في باريس عام 1939 في ظروف مادية صعبة. لم يكن الانتقال من الصمت إلى الصوت مجرد تطور تقني، بل تحولا أعاد تعريف لغة السينما، وغيّر مكانة الوجه والحوار والموسيقى، وفرض على الممثلين والمخرجين والاستوديوهات إعادة اكتشاف هذا الفن.

المصدر: تاس

شارك المنشور:

الأكثر قراءة

أهم الأخبار