تكشف سِيَر أبناء إيفان الرهيب الثلاثة عن مصائر متباينة، إذ دخل اثنان منهم قوائم القديسين الأرثوذكس، بينما بقي الثالث خارجها.
القيصر فيودور إيفانوفيتش وُلد فيودور لأناستاسيا رومانوفنا، الزوجة الأولى والمحبوبة لإيفان الرهيب. وبعد وفاة أبيه عام 1584، ورث العرش وأصبح آخر قياصرة سلالة روريك. دخل فيودور التاريخ بلقب "المبارك". ووصفه معاصروه بأنه رجل وديع شديد التديّن، قليل الاهتمام بشؤون الدولة. وأطلق عليه أبوه لقب "قارِع الأجراس"، لشغفه بقرعها؛ إذ كان يصعد إلى برج الأجراس ويقرعها بنفسه. وتشير بعض الروايات إلى أن فيودور ورث عن أبيه أيضا ولعه بالمنازلات العنيفة، مثل المصارعة بالأيدي ومواجهات الإنسان والدب. لكن السلطة الفعلية خلال عهده كانت بيد البويار بوريس غودونوف، صهره. ولم يكن ذلك يعني بالضرورة عجز فيودور عن الحكم، فقد شارك بنفسه في إنشاء البطريركية الروسية عام 1589، كما شارك في الحرب ضد السويد. ومع ذلك، نظر إليه معاصروه بوصفه رجل تقوى أكثر منه سياسيا. فقد عُدّت حياته نموذجا للتواضع المسيحي والصلاة النسكية والإخلاص للواجب. وتروي الأسطورة أنه تحدّث قبيل وفاته إلى شخصية لم يكن الآخرون يرونها، وخاطبها بوصفها أحد كبار رجال الكنيسة. كما يُقال إن عبيرا عذبا ملأ أرجاء الكرملين في لحظة وفاته. وبدأ تبجيل فيودور بوصفه قديسا في موسكو فور وفاته عام 1598. وبحلول مطلع القرن السابع عشر، ظهرت أيقونات تصوّره بهالة القداسة، كما ألّف البطريرك أيوب سيرته القدّيسية. ويذكر المصدر أن الكنيسة الأرثوذكسية الروسية قدّسته رسميا عام 1982 ضمن "مجمع قدّيسي فلاديمير". وبذلك مُجّد بوصفه "قيصرا مستقيم الإيمان"، أي حاكما تجلّت قداسته، وفقا لهذا التصور، في حياة تقية وخدمة متواضعة لله ولشعبه، لا في الاستشهاد. القيصروفيتش دميتري الأوغليتشي (1582–1591) كان دميتري أصغر أبناء إيفان الرهيب من زوجته الأخيرة ماريا ناغايا. وبعد وفاة أبيه، أُرسل مع أمه إلى مدينة أوغليتش. وتشير بعض المصادر، ولا سيما الأجنبية منها، إلى ميول قاسية لديه. فقد ذكر المبعوث الإنجليزي جايلز فليتشر، في كتاباته عن روسيا، أن القيصروفيتش "بدأ يُظهر كل صفات أبيه"، مشيرا إلى أنه كان يستمتع بمشاهدة ذبح الماشية، ويضرب الدجاج والإوز بعصا حتى الموت بنفسه. وروى المرتزق الألماني كونراد بوسو حادثة عُرفت باسم "بويار الثلج"، قال فيها إن دميتري طلب من رفاق لعبه صنع تماثيل ثلجية تمثّل أمراء ونبلاء مختلفين. وأطلق على كل تمثال اسم أحد البويار، ثم أخذ يقطع رؤوس التماثيل وأذرعها وسيقانها بسيف أو هراوة، معلنا أنه سيفعل الشيء نفسه بأعدائه عندما يصبح قيصرا. ووفقا للرواية، وضع تمثال بوريس غودونوف أولا وقطع رأسه. وتوفي دميتري عام 1591 في ظروف غامضة. فبحسب نتيجة التحقيق الرسمي، أصابته نوبة صرع أثناء لعبة بالسكاكين، فجرح نفسه جرحا قاتلا. وخلص التحقيق، الذي قاده البويار فاسيلي شويسكي، إلى أن الوفاة كانت عرضية. لكن شائعات انتشرت تتهم بوريس غودونوف بتدبير مقتله لتمهيد الطريق أمامه إلى العرش. واكتسبت هذه الرواية زخما مع ظهور مدّعين زعموا أنهم القيصروفيتش الذي نجا من الموت بأعجوبة. وبمبادرة من القيصر الجديد فاسيلي شويسكي، بدأ تقديس دميتري عام 1606. ولم تكن الدوافع دينية فحسب، بل سياسية أيضا، إذ سعت السلطة إلى دحض الادعاءات بأن الأمير لا يزال حيا، وتقويض صدقية من انتحلوا شخصيته. وكُرّم دميتري بوصفه أميرا بريئا قُتل ظلما، وأُدرج في التقليد الأرثوذكسي ضمن القديسين المعروفين بلقب "حاملي الآلام". ونُقلت رفاته في موكب مهيب من أوغليتش إلى كاتدرائية رئيس الملائكة في الكرملين بموسكو، حيث جرى تكريمه رسميا. وخلال القرن السابع عشر، أصبح دميتري من أكثر القديسين تبجيلا في روسيا. وانتشرت أيقوناته في أنحاء البلاد، ونُظر إليه بوصفه شفيعا سماويا للأمراء الروس وحاميا للدولة. لماذا لم يُقدّس إيفان إيفانوفيتش (1554–1581)؟ كان إيفان إيفانوفيتش الابن الأكبر لإيفان الرهيب من زوجته الأولى أناستاسيا رومانوفنا. وتوفي عام 1581، عن سبعة وعشرين عاما، في ظروف ارتبطت، بحسب الرواية التاريخية الشائعة، بضربة تلقاها من أبيه خلال نوبة غضب. ولا تزال تفاصيل الحادثة موضع نقاش تاريخي، رغم شيوع رواية مقتل الابن على يد أبيه. وعلى خلاف أخويه فيودور ودميتري، لم يُدرج إيفان في عداد القديسين الذين كرّمتهم الكنيسة الأرثوذكسية الروسية. لكن لا يمكن الجزم بأن طبيعة موته وحدها تفسّر ذلك؛ فالقداسة في التقليد الأرثوذكسي لا تقتصر على الشهداء وحاملي الآلام، بل تشمل أيضا أشخاصا عُرفوا بالتقوى والحياة الصالحة. وهكذا، تكشف المقارنة بين أبناء إيفان الرهيب الثلاثة عن اختلاف مصائرهم، كما تطرح أسئلة حول الدور الذي أدّته المعتقدات الدينية والحسابات السياسية والذاكرة التاريخية في تشكيل صورتهم عبر القرون.
المصدر: Gateway to Russia