تصدرت نظرية المؤامرة المشهد التحليلي في الفضاء العربي في أعقاب حادثة طائرة "فلاي دبي" وما رافقها من تفاصيل حول ما جرى في غرفة القيادة بين الطيار الهندي ومساعده العماني.
وقبل أن تُستكمل التحقيقات، بدأ المروّجون لهذه النظرية يتحدثون عن وقوف أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية خلف ما وصفوه بالعملية المفبركة، بهدف منح نتنياهو ذريعة لشن هجوم على إيران باعتبارها الجهة المتهمة الأولى بمحاولة إسقاط الطائرة. وقد أسهم توقيت الحادثة وما حملته من وقائع درامية في تعزيز الزخم الذي حظيت به فرضية العمل المدبّر. فنتنياهو، كما يشير خصومه ومن بينهم رئيس الوزراء السابق إيهود باراك، يبحث عن افتعال أزمات أو حوادث أمنية لتأجيل الانتخابات، في ظل مؤشرات استطلاعات الرأي التي تفيد بأن تحالفه لن يحقق الأغلبية الكافية لتشكيل حكومة. غير أن كل الدوافع التي تستند إليها نظرية المؤامرة تبقى في جوهرها تعبيراً عن تفضيل لدى أوساط عربية لا ترغب في إلصاق عمل إرهابي بهذه الصفة بأسماء عربية أو بدول تخوض مواجهة مع إسرائيل. والجدل حول هذا النوع من العمليات وتصنيفها ليس وليد اللحظة، فهو يمتد لعقود مضت حين كان اختطاف الطائرات المدنية أسلوباً متبعاً، ثم ظهرت لاحقاً عمليات انتحارية من قبيل تفجير حافلات الركاب. ومع الضغط الشعبي والدولي، ولا سيما بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر، لم يعد أحد يجرؤ على تنفيذ عمليات تُصنَّف بالإرهابية على مختلف المستويات. وبالعودة إلى حادثة الطائرة، فقد كشفت نتائج التحقيقات السعودية والإماراتية لاحقاً جوانب مهمة مما كان في البداية مجرد تخمينات وتكهنات. إذ ثبت أن مساعد الطيار العماني اعتدى على الطيار الهندي باستخدام "فأس الطوارئ" وطعنه عدة طعنات. وأكد الادعاء الإماراتي فيما بعد أن المساعد العماني كان يسعى لتنفيذ عملية إرهابية. وتقاطع هذا التصنيف مع معلومات استخبارية مؤكدة من جهات رسمية أفادت بأن مساعد الطيار كان ممنوعاً من العمل في مجال الطيران ببلاده بسبب أفكاره المتطرفة والمتشددة، وأنه أمضى سنوات عدة في سورية. والإقامة في بلد مثل سورية خلال السنوات الماضية تُعد بحد ذاتها سبباً وجيهاً لإثارة الشبهة حول أي شخص. وفي ضوء هذه المعطيات، تبدو نظرية المؤامرة مستبعدة تماماً وغير منطقية على الإطلاق، إذ من قال إن نتنياهو الذي لم يتوقف جيشه عن شن الضربات يومياً في غزة والضفة الغربية ولبنان وسورية، يحتاج إلى مبرر لاستئناف حروبه. صحيح أن الأمر يختلف بالنسبة لإيران التي ما تزال جبهة مفتوحة لحرب مرشحة للاشتعال بقوة أكبر بعد الانتخابات النصفية في الولايات المتحدة. لكن استبعاد نظرية المؤامرة لا يقلل من أهمية الحادثة بالنسبة لنتنياهو. بل إن ما جرى ينطبق عليه بالمعنى والشكل القول إن محاولات إسقاط الطائرة التي كانت تقل أكثر من 150 إسرائيلياً هي هدية من السماء لحملة نتنياهو الانتخابية. وتقوم مقاربة نتنياهو لكسب الانتخابات على تضخيم فكرة الخطر الذي يحيط بالإسرائيليين من كل اتجاه، وأن الحرب الوجودية لم تنته بعد، وأن الانتصار فيها يحتاج إلى قائد مثل نتنياهو لتحقيقه كاملاً غير منقوص. والحادثة تخدم هذه المقاربة بشكل مثالي، ولذلك سعى نتنياهو إلى توظيفها إعلامياً قدر ما استطاع؛ فتصدر المشهد منذ اللحظة الأولى، واستقبل الركاب عند عودتهم، وروّج لفيديو الراكب الذي ادعى لنفسه دوراً بطولياً في إنقاذ الطائرة.