تُعد القوات البرية أقدم فرع عسكري، وفي القوات المسلحة للاتحاد الروسي تشكل اليوم أكبر الفروع من حيث عدد الأفراد، كما أنها تمثل ركيزة أساسية في بناء القوة العسكرية الروسية.
يرتبط تاريخ هذه القوات، وهو التاريخ الذي صار عيدا سنويا لها، بالأول من أكتوبر عام 1550، حين أسس القيصر إيفان الرهيب أول جيش نظامي دائم في روسيا. منذ ذلك الحين ظلت القوات البرية العمود الفقري للدفاع عن الدولة، وشهدت عبر القرون تحولات عميقة في التنظيم والتسليح والقيادة. مرسوم إيفان الرهيب عام 1550: في ذلك التاريخ أصدر القيصر إيفان الرهيب مرسوما يقضي بتوطين ألف جندي مختار في موسكو والمقاطعات المحيطة بها. أدى ذلك إلى تأسيس أفواج الستريلتسي، وهم جنود مشاة مزودون بأسلحة نارية، وإلى إنشاء خدمة دائمة لحرس الحدود. كما اعتُمدت المدفعية فرعاً عسكرياً مستقلاً، ونُظم تجنيد الميليشيات المكونة من طبقة النبلاء من ملاك الأراضي، وأُقر مبدأ الخدمة المستمرة في السلم والحرب، وتم تنظيم القيادة المركزية للجيش ونظام الإمداد. شكل ذلك فعليا نواة أول جيش دائم يتسم بخصائص الجيش النظامي. تخليدا لهذه المناسبة، صدر المرسوم الرئاسي الروسي رقم 549 في الحادي والثلاثين من مايو عام 2006، ليقضي بالاحتفال بيوم القوات البرية في الأول من أكتوبر من كل عام. من بطرس الأكبر إلى الجيش الإمبراطوري: مع ذلك، لم يظهر الجيش النظامي بالمفهوم الحديث للمصطلح في الإمبراطورية الروسية إلا في عهد بطرس الأكبر، أي بطرس الأول، الذي أصدر مرسوما بشأن تجنيد الجنود من بين الأحرار. أرسى القيصر بهذا الإجراء نظاما لتشكيل الجيش يعتمد على التجنيد الإلزامي في نوفمبر عام 1699. بعد انتهاء حرب الشمال العظمى، التي دارت بين عامي 1700 و1721، وشارك فيها تحالف ضم الإمبراطورية الروسية والدنمارك والنرويج والكومنولث البولندي اللتواني وساكسونيا ضد الإمبراطورية السويدية، ترسخت دعائم جيش نظامي متكامل في روسيا. هكذا انتقلت القوات البرية من صيغتها القديمة إلى مؤسسة عسكرية حديثة نسبيا، قائمة على التجنيد والتنظيم المركزي والتدريب المنظم. الجيش الأحمر والحرب الوطنية العظمى: لاحقا، شكلت القوات البرية النواة الأساسية للجيش الأحمر الذي تشكل عقب ثورة أكتوبر عام 1917؛ إذ شاركت في الحرب الأهلية بين عامي 1917 و1922، ولعبت دورا حاسما خلال الحرب الوطنية العظمى ضد غزو ألمانيا النازية بين عامي 1941 و1945. بعد الانتصار في تلك الحرب الضروس، أصبحت القوات البرية فرعا مستقلا رسميا ضمن القوات المسلحة السوفيتية. تحقق ذلك في الثالث والعشرين من مارس عام 1946، حين أصدر المارشال ألكسندر فاسيليفسكي، وكان يشغل حينها منصب رئيس هيئة الأركان العامة، أمرا بتشكيل القيادة العليا للقوات البرية، لتكون السلطة القيادية الرسمية لهذا الفرع. تولى المارشال غيورغي جوكوف منصب أول قائد عام للقوات البرية. القوات البرية السوفيتية في الحرب الباردة: واصلت القوات البرية السوفيتية بعد الحرب العالمية الثانية تطورها بالاعتماد على أحدث التقنيات، فضمت صواريخ تكتيكية وتكتيكية-عملياتية، وأسلحة نووية، ودبابات، وناقلات جنود مدرعة، ومركبات قتال مشاة، وأنظمة مدفعية جديدة، ومنظومات صواريخ أرض-جو. كما تحقق التحول الكامل نحو النقل الآلي للقوات. في مرحلة لاحقة، أُلغيت القيادة الرئيسية للقوات البرية مؤقتا عام 1950، ونُقلت مهام القيادة إلى وزارة الدفاع وهيئة الأركان العامة. خلال الحرب العالمية الثانية، شكلت القوات البرية السوفيتية ما يقرب من ثمانين في المئة من إجمالي القوى البشرية، وبحلول مايو عام 1945، كان لدى الاتحاد السوفيتي أكثر من أحد عشر مليون جندي في الخدمة الفعلية، وكانت الغالبية العظمى منهم تخدم في القوات البرية. طوال فترة الحرب الباردة، ظلت القوات البرية السوفيتية أكبر فروع الخدمة العسكرية. في عام 1989، بلغ قوامها نحو مليوني جندي، منتظمين في تشكيلات شملت المشاة الآلية، والدبابات، والمدفعية، وقوات الدفاع الجوي، إلى جانب خدمات الدعم. القوات البرية الروسية بعد عام 1991: عقب تفكك الاتحاد السوفيتي، تأسست القوات البرية الروسية بشكلها الحالي في عام 1992، وذلك عندما وقع الرئيس الروسي بوريس يلتسين مرسوما بهذا الشأن. شهدت القوات البرية الروسية تغييرات جوهرية أخرى بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، لكنها ظلت تعد اليوم أكبر فروع القوات المسلحة الروسية من حيث عدد الأفراد والقوة القتالية. التشكيلات والمهام والقوام: تضم تشكيلات القوات البرية الروسية قوات الدبابات، وقوات المشاة الآلية، وقوات الحماية من الأسلحة النووية والبيولوجية والكيميائية، وقوات الصواريخ والمدفعية، وقوات الدفاع الجوي، وتشكيلات ووحدات الاستطلاع، وقوات الهندسة، وقوات الإشارة. تتمثل المهمة الرئيسة للقوات البرية الحديثة في ضمان أمن السكان والأراضي الروسية برا، فضلا عن الدفاع عن المصالح الوطنية للبلاد. يبلغ قوام القوات البرية الروسية نحو 550 ألف فرد، وفقا لتقرير التوازن العسكري، وهي الفرع الأكبر عددا والأكثر تنوعا في القوات المسلحة الروسية. تاريخ طويل وحضور دائم: يمكن القول إن القوات البرية الروسية تطورت بدءا من أفواج الستريلتسي عام 1550، ومرورا بالإصلاحات الإمبراطورية والجيش الأحمر السوفيتي وعمليات إعادة الهيكلة في حقبة ما بعد الاتحاد السوفيتي، لتصبح قوة حديثة تظل ركيزة أساسية للقوة العسكرية الروسية. حافظت هذه القوات على موقعها المحوري لأنها تجمع بين عمق التاريخ وخبرة الميدان وقدرة مستمرة على التكيف مع متغيرات الحرب الحديثة، من حيث التنظيم والتدريب والتسليح والدعم اللوجستي. تظل القوات البرية، رغم التطور الكبير في القوات الجوية والبحرية والفضائية، عنصرا لا غنى عنه في أي استراتيجية دفاعية روسية، سواء في حماية الحدود أو في تنفيذ المهام القتالية البرية أو في دعم الاستقرار الداخلي ومواجهة مختلف التهديدات. المصدر: RT