يرى الكاتب الإسرائيلي نداف إيال أن التحولات في المزاج السياسي الأمريكي تجاه إسرائيل تتجاوز الخلاف مع حكومة بنيامين نتنياهو أو نتائج الانتخابات.
لا يتعامل الكاتب الإسرائيلي نداف إيال مع نتائج الانتخابات الأمريكية الأخيرة باعتبارها مجرد انتكاسة انتخابية للحزب الجمهوري أو خسارة لبعض الشخصيات المرتبطة بإسرائيل، بل يقرأها في سياق تحول أعمق قد يعيد تشكيل طبيعة العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل خلال السنوات المقبلة.
وفي مقاله المنشور في صحيفة "يديعوت أحرونوت"، يحذر إيال من أن إسرائيل قد تكون أمام تغير تدريجي في أحد أهم ثوابتها الاستراتيجية، والمتمثل في استمرار الدعم الأمريكي الواسع لها، باعتباره تقليدا سياسيا عابرا للإدارات والحسابات الحزبية.
ويتمثل جوهر تحذيره في أن انتقاد إسرائيل لم يعد محصورا في أوساط يسارية أو تيارات محدودة داخل الحزب الديمقراطي، بل بات يظهر لدى أجيال جديدة من الأمريكيين، في الحزبين، تتعامل مع إسرائيل وسياساتها من منظور مختلف عن الأجيال السابقة، ولا تنظر بالضرورة إلى دعمها باعتباره موقفا سياسيا أو أخلاقيا مسلّما به.
تحول يتجاوز حكومة نتنياهو
يحاول إيال التمييز بين تراجع شعبية حكومة بنيامين نتنياهو وبين احتمال حدوث تحول في النظرة الأمريكية إلى إسرائيل نفسها. فالمشكلة، وفق قراءته، لا تقتصر على أن سياسات الحكومة الحالية تسببت في اتساع الانتقادات، وإنما تكمن في أن قطاعات من الناخبين والسياسيين الأمريكيين بدأت تطور مواقف أكثر تشددا تجاه إسرائيل، بصرف النظر عن هوية رئيس حكومتها.
ويستند الكاتب إلى نماذج من نتائج الانتخابات والتحولات داخل الحزب الديمقراطي، من بينها صعود شخصيات تنتقد الحرب الإسرائيلية على غزة، وترفض ما تعتبره استهدافا للمدنيين والعقاب الجماعي وتقييدا للمساعدات الإنسانية.
ويشير إلى أن بعض هذه الشخصيات لا تنكر حق إسرائيل في حماية مواطنيها، لكنها ترفض أن يكون هذا الحق مبررا لاستمرار العمليات العسكرية أو لتقديم دعم أمريكي غير مشروط. كما يلفت إلى تنامي الدعوات لتقييد بيع أنواع من الأسلحة لإسرائيل، بما يعكس انتقال الخلاف من مستوى الخطاب السياسي إلى نقاش بشأن طبيعة المساعدات العسكرية وحدودها.
ولا يرى إيال أن هذه المواقف تمثل حتى الآن إجماعا أمريكيا جديدا، لكنه يعتبر أن خطورتها تكمن في اتساع قاعدتها بين الأجيال الشابة، وفي انتقالها من هامش النقاش السياسي إلى داخله.
نهاية الإجماع التقليدي بين الحزبين؟
من أبرز النقاط التي يثيرها المقال أن العلاقة الأمريكية الإسرائيلية استفادت لعقود من وجود قاعدة دعم واسعة داخل الحزبين الجمهوري والديمقراطي، بما جعلها أقل عرضة للتقلبات الانتخابية وتغير الإدارات.
لكن الكاتب يرى أن هذه القاعدة لم تعد مضمونة بالدرجة نفسها. فظهور تيارات شبابية داخل الحزبين تنظر إلى إسرائيل بصورة أكثر انتقادا يهدد، على المدى الطويل، بتحويل العلاقة معها إلى قضية خلافية تخضع للاستقطاب السياسي والحسابات الانتخابية.
وتكمن أهمية هذا التحول في أن إسرائيل لا تستطيع التعويل على استمرار الدعم الأمريكي بالآليات التقليدية نفسها إذا أصبحت مساندتها موضع خلاف داخل الكونغرس وبين الناخبين، أو إذا بات السياسيون الأمريكيون يجدون في انتقاد سياساتها فرصة لتعزيز مواقعهم الانتخابية.
ومن هذه الزاوية، لا يختزل إيال المسألة في احتمال تراجع الدعم خلال إدارة أمريكية بعينها، بل يحذر من تغير قد يمتد إلى بنية العلاقة الاستراتيجية ذاتها، ويجعل استعادة التوافق الأمريكي حول إسرائيل أكثر صعوبة.
إلى أين تتجه إسرائيل؟
لا يقدم المقال تنبؤا حتميا بانهيار التحالف بين واشنطن وتل أبيب، لكنه يرسم صورة لمستقبل تصبح فيه العلاقة أقل تلقائية، وأكثر ارتباطا بالسياسات الإسرائيلية وبمدى قدرتها على التعامل مع التحولات داخل المجتمع الأمريكي.
وبحسب قراءة إيال، فإن استمرار المسار السياسي والعسكري الحالي، من دون معالجة أسباب الانتقادات المتزايدة، قد يدفع إسرائيل إلى مواجهة فجوة أوسع مع قطاعات مؤثرة في الولايات المتحدة، بما فيها شخصيات سياسية وناخبون قد يصبحون جزءا من مراكز صنع القرار مستقبلا.
وهنا تتجاوز المخاطر مسألة التصريحات أو الخلافات الدبلوماسية، إذ يمكن أن تنعكس على الدعم العسكري، والمساعدات، والمواقف داخل الكونغرس، وقدرة الإدارات الأمريكية على الدفاع عن سياسات إسرائيل أمام الرأي العام الأمريكي.
ويحذر المقال، ضمنا، من أن إسرائيل قد تجد نفسها أمام واقع لم تعد فيه العلاقة مع واشنطن محصنة بالروابط التاريخية وحدها، وأن ما كان يُعد مسلّمة في السياسة الأمريكية قد يتحول إلى موضوع نقاش ومساومة ومراجعة.
دعوة إلى تغيير المسار قبل فوات الأوان
في مواجهة هذه المخاطر، لا يكتفي إيال بتشخيص التحول، بل يطرح تغييرا في المسار الإسرائيلي باعتباره ضرورة لاستعادة الدعم الأمريكي. ويربط ذلك بالتخلص من النهج السياسي الذي تمثله حكومة نتنياهو، ووقف الحرب على غزة، والانخراط في مسار سياسي مع الفلسطينيين، وإعادة إعمار القطاع.
كما يطرح أهمية إشراك حزب عربي في الائتلاف السياسي الإسرائيلي، مستشهدا بتجربة منصور عباس، في سياق محاولة تقديم صورة مختلفة عن إسرائيل أمام الرأي العام الأمريكي، والرد على الانتقادات المتعلقة بسياساتها تجاه الفلسطينيين.
وتكشف هذه المقترحات أن الكاتب لا يدعو إلى التخلي عن التحالف مع الولايات المتحدة، بل إلى تغيير السياسات الإسرائيلية التي يعتقد أنها تسرّع تآكل الدعم له. فهو ينظر إلى التغيير الداخلي والسياسي باعتباره مدخلا للحفاظ على العلاقة الاستراتيجية، وليس تنازلا عنها.
وتعكس هذه الرؤية قلقا من أن استمرار إسرائيل في تجاهل التحولات الأمريكية قد يجعلها أكثر اعتمادا على دعم سياسي متقلب، بدلا من الإجماع الواسع الذي وفر لها على مدى عقود غطاء سياسيا وعسكريا.
ما الذي ينبغي أن تستعد له إسرائيل؟
الرسالة الأهم في مقال إيال أن إسرائيل مطالبة بالتعامل مع التحول الأمريكي باعتباره اتجاها طويل الأمد، لا موجة انتقادات عابرة يمكن تجاوزها بتغيير الحكومة الأمريكية أو انتظار نتائج انتخابات جديدة.
فإذا استمرت الأجيال الجديدة في النظر إلى إسرائيل من زاوية مختلفة، فإن الحكومات الإسرائيلية المقبلة ستواجه بيئة أمريكية أكثر تعقيدا، قد لا يكون فيها تأييد إسرائيل خيارا سياسيا آمنا أو تلقائيا بالنسبة إلى الحزبين.
ومن ثم، فإن الاستعداد للقادم، وفق منطق المقال، يتطلب مراجعة السياسات تجاه الفلسطينيين، وإعادة النظر في إدارة الحرب على غزة، والتعامل مع المطالب الأمريكية المتعلقة بالمساعدات العسكرية والالتزامات السياسية، إلى جانب فهم التحولات داخل المجتمع الأمريكي وعدم الاكتفاء بالعلاقات التقليدية مع النخب السياسية.
في المحصلة، يكشف مقال نداف إيال عن قلق إسرائيلي يتجاوز خسارة معركة انتخابية أو تراجع شعبية حكومة نتنياهو، إلى احتمال تآكل أحد أهم مرتكزات القوة الإسرائيلية: الإجماع الأمريكي العابر للحزبين. ولا يقول الكاتب إن التحالف سينهار قريبا، لكنه يحذر من أن قواعده تتغير، وأن إسرائيل قد تواجه مستقبلا تكون فيه مطالبة بإثبات جدارتها بالدعم الأمريكي، بدلا من التعامل معه باعتباره ضمانة دائمة.
المصدر: روسيا اليوم (RT) + يديعوت أحرونوت