IMG-LOGO

من الخلية إلى المائدة: قصة "استنبات" اللحم!

من الخلية إلى المائدة: قصة "استنبات" اللحم!

يُعرَف اللحم "الاصطناعي" باللحم المستنبت أو اللحم المزروع مخبريا، وهو لحم يُنتَج في بيئة مخبرية انطلاقا من مزارع خلايا حيوانية، ولم يكن يوما جزءا من حيوان حي متكامل.

من الضروري هنا عدم الخلط بين اللحم المستنبت والبدائل النباتية، أي "اللحوم" المصنوعة من الصويا أو البازلاء أو غيرها من البروتينات النباتية، التي تكتفي بمحاكاة طعم اللحم وقوامه، لكنها لا تحتوي على أي خلايا حيوانية. بطريقة أخرى، يُعدّ اللحم المستنبت لحما حيوانيا حقيقيا، إلا أن إنتاجه يتم عبر استنبات خلايا حيوانية مخبريا، أي خارج جسم الحيوان، بدلًا من تربية الماشية وذبحها. من جانب آخر، وعلى الرغم من شيوع استخدام مصطلح "اصطناعي" في اللغة الدارجة، فإن هذه التسمية غير دقيقة؛ فالمنتج في الواقع نسيج لحمي حقيقي من الناحية البيولوجية، لكنه نما خارج جسم الحيوان. تعرّف الأوساط الأكاديمية هذا النوع من اللحوم بأنه "منتج غذائي مستمد من استنبات خلايا حيوانية مخبريا، يحاكي في تركيبه وبنيته اللحم التقليدي". كيف يُنتج اللحم المستنبت؟ تتم عملية إنتاج هذا النوع من اللحوم على النحو التالي: تُؤخذ عينة صغيرة من الأنسجة العضلية من حيوان ما تحت تأثير التخدير الموضعي، ثم تُعزل الخلايا الجذعية من هذه العينة. بعد ذلك، توضع هذه الخلايا في مفاعل حيوي يحتوي على وسط غذائي، وهو مزيج من الأحماض الأمينية والفيتامينات والجلوكوز ومكونات أخرى ضرورية لنموها. خلال عملية الاستنبات هذه، تنقسم الخلايا وتتمايز لتشكّل أليافا عضلية، إضافة إلى الأنسجة الدهنية والضامة. في المراحل الأولية، يكون المنتج عادة على هيئة لحم مفروم، رغم أن الهدف النهائي هو إنتاج قطع كاملة من الأنسجة العضلية. الأبحاث في هذا المجال متواصلة، وتجري في الوقت الحالي دراسة تقنيات مثل الطباعة ثلاثية الأبعاد لإنشاء هياكل معقدة، كشرائح اللحم "الستيك". المزايا والفوائد من مزايا اللحم المستنبت وفوائده أن إنتاجه يتطلب مساحات أقل بكثير من الأراضي، وكميات أقل من المياه والطاقة، مقارنةً بتربية الماشية التقليدية. كما يمكن تعديل المحتوى الغذائي؛ على سبيل المثال، من خلال تقليل كمية الدهون المشبعة أو إضافة أحماض "أوميغا-3" الدهنية. علاوة على ذلك، تقل الحاجة إلى تربية الحيوانات على نطاق واسع لاستغلال لحومها. العقبات والتحديات مع كل ذلك، توجد عقبات كبيرة أيضا في هذا النوع من الإنتاج؛ إذ تُعدّ عملية التصنيع باهظة التكلفة للغاية في الوقت الراهن. كما توجد مخاوف من أن يتطلب الإنتاج على نطاق واسع استخدام كميات أكبر من المضادات الحيوية والهرمونات الاصطناعية، للوقاية من العدوى البكتيرية، مقارنةً بأساليب تربية الماشية التقليدية. من التحديات التقنية، تصعب في الوقت الحالي محاكاة البنية المعقدة للحوم الطبيعية، مثل الألياف العضلية وطبقات الدهون، ولا تزال هناك حاجة لتطوير معايير للسلامة وأنظمة الاعتماد، كما لا يزال الكثيرون ينظرون بشك إلى هذا النوع من المنتجات. المستقبل والتوقعات بالنسبة لمستقبل اللحوم المستنبتة مخبريا، تتفاوت التوقعات بشأن تطور هذه التكنولوجيا، ويمكن تحديد عدة سيناريوهات؛ منها أن يتطور القطاع ببطء بسبب العوائق التقنية والاقتصادية، وقد تنخفض تكاليف الإنتاج تدريجيا مع توسيع نطاق العمليات، مدعومة بتنظيم حكومي فعّال وإنشاء نظام للاعتماد. وقد تحدث طفرة تقنية تتيح الاعتماد الجماعي للمنتج وتجعله منافسا من حيث السعر. يرجّح الخبراء أن تتعايش اللحوم المستنبتة المصنعة في المختبرات مع تربية الماشية التقليدية، وربما تشغل هذه اللحوم حيزا في سوق المنتجات الفاخرة أو التغذية المتخصصة، بينما ستصبح البدائل النباتية جزءا أساسيا من النظام الغذائي العام، لا سيما في المنتجات الغذائية المصنعة. مع كل التطور الذي شهدته هذه الصناعة، إلا أنه لا يوجد حتى الآن أي منتج يُباع على نطاق تجاري حقيقي في أي مكان؛ ولا يزال حجم السوق ضئيلا للغاية. تشير تقديرات عام 2026 إلى أن قيمة سوق اللحوم المستنبتة عالميا تبلغ عشرات الملايين من الدولارات فقط، على سبيل المثال حوالي 43 مليون دولار، لكن يُعتقد في الوقت نفسه أنها تشهد نموا سنويا مركبا سريعا يصل إلى نحو 20%. خلاصة القول إن اللحوم المصنّعة مخبريا لم تعد مجرد فضول علمي، بل هي اليوم صناعة في مراحلها الأولى. ورغم أن مستقبلها واعد على المدى الطويل، إلا أن مسارها في المدى القريب سيتشكل عبر خفض تدريجي في التكاليف، وإطلاق منتجات هجينة، وبناء الثقة التنظيمية وثقة المستهلك بشكل تدريجي وخطوة بخطوة. المصدر: RT

شارك المنشور:

الأكثر قراءة

أهم الأخبار