IMG-LOGO

تاجر وأمير وأيقونة دينية.. الحكاية وراء يوم الوحدة الوطنية في روسيا

الثقافة والفن - 11:27 03-11-2026
تاجر وأمير وأيقونة دينية.. الحكاية وراء يوم الوحدة الوطنية في روسيا

تحتفل روسيا في الرابع من نوفمبر بيوم الوحدة الوطنية، إحياء لذكرى جيش شعبي قاده تاجر وأمير وحرر موسكو عام 1612، وارتبط بأيقونة سيدة قازان.

لم يكن كوزما مينين أميرا ولا قائدا عسكريا محترفا، بل تاجرا من نيجني نوفغورود دعا في مطلع القرن السابع عشر إلى جمع الأموال لاستعادة العاصمة، وشارك في القيادة العسكرية إلى جانب الأمير دميتري بوجارسكي. وتجمع قصة العيد، الذي أصبح عطلة رسمية عام 2005، بين مقاومة شعبية ومبادرة مدنية وقيادة عسكرية ورمز ديني اكتسب مكانة خاصة في الذاكرة الروسية. "زمن الاضطرابات".. حين انقسمت روسيا على نفسها امتد "زمن الاضطرابات" بين عامي 1598 و1613. بدأ بوفاة القيصر فيودور الأول، آخر حكام سلالة روريك، دون وريث، ثم وصل بوريس غودونوف إلى الحكم وسط اضطرابات متزايدة. وظهر مدّعون عدة ادعوا أنهم الأمير دميتري، الابن الأصغر لإيفان الرهيب، أبرزهم "دميتري الكاذب الأول" الذي حكم عام 1605 وقُتل بعد عام. وبعد هزائم متتالية أمام الكومنولث البولندي الليتواني، عُزل القيصر فاسيلي شويسكي عام 1610، وتولى إدارة البلاد سبعة من كبار البويار عُرفوا باسم "السبعة بويار". وتفاوضت المجموعة مع الملك سيغيزموند الثالث على اعتلاء ابنه فلاديسلاف العرش، فدخلت القوات البولندية موسكو واستقرت في الكرملين، واتُّهم عدد من البويار بالتخلي عن استقلال البلاد. المقاومة الشعبية.. المحاولة الأولى لم تبدأ المقاومة مع مينين وبوجارسكي. ففي مطلع 1611 دعا البطريرك غيرموغين، المحتجز في موسكو، المدن الروسية إلى التوحد. وتولى الحاكم العسكري بروكوبي ليابونوف في ريازان تنظيم "الجيش الشعبي الأول"، الذي ضم قوزاقا ومقاتلين من مدن عدة، وحاصر القوات الأجنبية في الكرملين وكيتاي غورود دون أن ينجح في استعادتهما. وتفكك الجيش في صيف 1611 بسبب الخلاف بين النبلاء والقوزاق، وانتهى بمقتل ليابونوف على يد القوزاق، فظهرت الحاجة إلى تنظيم جديد يجمع الموارد ويتجاوز الانقسامات. كوزما مينين وبوجارسكي.. شراكة في قيادة الجيش برز في نيجني نوفغورود كوزما مينين، أحد وجهاء المدينة، وكان يعمل في التجارة ويتولى منصب كبير الأعيان المنتخب لإدارة شؤونها. وفي سبتمبر 1611 دعا السكان إلى التبرع بالأموال والممتلكات لتشكيل جيش جديد لتحرير موسكو، وأشرف على جمع الأموال وتنظيم الموارد. وتذكر الروايات أنه قدم مدخراته الخاصة. واختير لقيادة الجيش الأمير دميتري بوجارسكي، المنتمي إلى أسرة نبيلة ذات جذور أميرية، والذي أصيب خلال انتفاضة موسكو في مارس 1611. وتولى بوجارسكي القيادة، فيما أشرف مينين على الشؤون المالية والإمدادات. لكن دوره لم يقتصر على التمويل، إذ شارك في القيادة العسكرية وقاد وحدة في معارك موسكو. وفي مطلع 1612 تحرك الجيش من نيجني نوفغورود وانضمت إليه قوات من مدن أخرى، وأقام في ياروسلافل عدة أشهر أعاد خلالها تنظيم صفوفه وأنشأ إدارة مؤقتة للمناطق المنضمة إليه. معارك موسكو وتحرير العاصمة في أغسطس 1612 اقترب الجيش من موسكو، حيث كانت الحامية البولندية الليتوانية المحاصرة تنتظر إمدادات يقودها يان كارول خودكيفيتش. وشاركت في التصدي له قوات من الجيش الشعبي الأول والقوزاق بقيادة الأمير دميتري تروبيتسكوي إلى جانب قوات مينين وبوجارسكي. ودارت المعارك الحاسمة بين 1 و3 سبتمبر 1612 (تُذكر التواريخ هنا بالتقويم الغريغوري ما لم يُنص على غير ذلك). وقاد مينين وحدة هاجمت جناح قوات خودكيفيتش وأسهمت في حسم المعركة، فانسحب القائد البولندي وواصلت القوات الشعبية تضييق الحصار على الكرملين. وفي 1 نوفمبر 1612 اقتحمت القوات كيتاي غورود، ثم استسلمت الحامية داخل الكرملين في الأيام التالية، وتتفاوت المصادر في تحديد يوم دخول القوات الروسية إليه بين 1 و5 نوفمبر. وكان التحرير ثمرة تعاون قوات مينين وبوجارسكي مع قوات تروبيتسكوي والقوزاق، لا إنجاز جيش واحد. ولم تنتهِ الأزمة فورا، لكن مجلس الأراضي اختار ميخائيل رومانوف قيصرا عام 1613، فبدأ حكم أسرة رومانوف الذي استمر حتى 1917. أيقونة سيدة قازان.. الرمز الديني للحملة ارتبطت الحملة أيضا بأيقونة سيدة قازان، إحدى أشهر الأيقونات المريمية في التقليد الأرثوذكسي الروسي. وبحسب الرواية الكنسية، عُثر عليها عام 1579 في قازان تحت أنقاض منزل محترق، بعد أن أرشدت العذراء طفلة تدعى ماترونا أونوتشينا إلى مكانها في المنام. وتروي الذاكرة الأرثوذكسية أن نسخة منها رافقت قوات مينين وبوجارسكي، وأن الجنود صلوا أمامها طلبا للنصر. ومن المهم التمييز بين هذه الرواية التي تنسب النصر إلى شفاعة الأيقونة، والعوامل العسكرية التي حسمته، وفي مقدمتها التنظيم والموارد التي جمعها مينين. لماذا الرابع من نوفمبر؟ لا يطابق الرابع من نوفمبر يوم تحرير موسكو. فقد كان الفارق بين التقويمين اليولياني والغريغوري عشرة أيام في القرن السابع عشر، ثم صار 13 يوما اليوم، وبذلك يوافق 22 أكتوبر 1612 يوليانيا الأول من نوفمبر لا الرابع منه. أما الكنيسة الأرثوذكسية، التي بقيت على التقويم اليولياني، فتحتفل بذكرى أيقونة سيدة قازان في 22 أكتوبر بحسابها، أي الرابع من نوفمبر بالتقويم المدني المعتمد في روسيا منذ 1918. ومن هنا ارتبط العيد المعاصر بذكرى الأيقونة، لا بيوم دخول القوات إلى الكرملين. من ذكرى دينية إلى عيد وطني في عام 1649 جعل القيصر أليكسي ميخائيلوفيتش ذكرى سيدة قازان عيدا كنسيا رسميا، واستمر الاحتفال بها قرونا، قبل أن تغيب عن العطلات الرسمية في الحقبة السوفيتية، حين احتل السابع من نوفمبر، ذكرى ثورة أكتوبر، مكانة بارزة. وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي أُعيدت تسمية عطلة السابع من نوفمبر عام 1996 إلى "يوم الوفاق والمصالحة". وفي سبتمبر 2004 اقترح مجلس روسيا المشترك بين الأديان اعتماد عيد وطني جديد باسم "يوم الوحدة الوطنية" في الرابع من نوفمبر. وأقر البرلمان التعديل القانوني في ديسمبر من العام نفسه، ودخل حيز التنفيذ في يناير 2005، فاحتفلت البلاد بالمناسبة للمرة الأولى في العام ذاته. مينين وبوجارسكي في الذاكرة الروسية خلدت روسيا الرجلين في اللوحات والنصب التذكارية، وأشهرها النصب البرونزي في الساحة الحمراء أمام كاتدرائية القديس باسيل، من أعمال النحات إيفان مارتوس، وافتُتح عام 1818. وفي عام 2005 أقيم نصب آخر لهما في نيجني نوفغورود، المدينة التي انطلقت منها المبادرة الشعبية. واليوم تقدَّم المناسبة رسميا بوصفها احتفاء بوحدة البلاد وتنوع شعوبها وتاريخها المشترك.

المصدر: RT

شارك المنشور:

الأكثر قراءة

أهم الأخبار